ابن عربي
63
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
« وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ » وهو سجن الرحمن ، دار العذاب والنقمة ، وقيّمها مالك ومعناه الشديد ، يقال ملكت العجين إذا شددت عجنه . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 8 إلى 9 ] وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 8 ) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 9 ) [ نسبة الولاية إلى الحق تعالى : ] « فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ » الولي هو الناصر . واعلم أن نعت الولاية لا ينسبها اللّه لنفسه إلا بتعلق خاص للمؤمنين خاصة والصالحين من عباده ، وذلك من حيث أنّها النصر ، ولكن الولاية من اللّه - من حيث هي ولاية - عامة في مخلوقاته من حيث ما هم عبيده ، وبهذه الولاية تولاهم في الإيجاد ، ومن ذلك المشركون ، فمن عموم ولايته أن تولاهم بالوجود في أعيانهم ، وبحفظ الوجود عليهم ، وبتمشية أغراضهم ، وتولاهم بما رزقهم مما فيه قوام عيشهم ومصالحهم عموما ، ووفق من وفق منهم بولايتهم لوضع نواميس جعلها في نفوسهم من غير تنزل ، الذي هو الشرع ، فوضعها حكماء زمانهم وذوو الرأي منهم العلماء بما يصلح العالم ، فتولاهم سبحانه بأن قرر في أنفسهم ما ينبغي أن تكون به المصلحة لهم ، مراعاة لكل جزء منهم ، فإن كل جزء من العالم مسبح للّه تعالى من كافر وغير كافر ، فإن أعضاء الكافر كلها مسبحة للّه ، ولهذا يشهد عليه يوم القيامة جلده وسمعه وبصره ويده ورجله ، غير أن العالم لا يفقهون هذا التسبيح ، وسريان هذه العبادة في الموجودات ، وهذا من توليه سبحانه ، ثم إنه تولاهم بإنزال الشرائع الصادقة المعرّفة بمصالح الدنيا والآخرة ، ثم تولاهم بما أوجد من الرحمة فيهم التي يتعاطفون بها بعضهم على بعض ، في الوالدين بأولادهم في تربيتهم ، وبالأولاد على والديهم من البر بهم والاعتماد عليهم ، وبما جعل من شفقة المالكين على مماليكهم ، وعلى ما يملكونه من الحيوانات ، وتولى الحيوان بما جعل فيهم من عطف الأمهات على أولادها في كل حيوان يحتاج الولد إلى تدبير أمه ، وتولاهم بالأغراض ليهون عليهم المشقات ، ويسمى مثل هذا تسخيرا ، فيخرج الشخص لنيل غرضه فيما يزعم ، وهو من حيث التولي الإلهي ما خرج إلا في حق الغير ، وهو يتوهم أنه في حق نفسه ، وذلك